ابن العربي
778
أحكام القرآن
من عهده ، ثم قالوا : لا ينبغي لأحد من العرب أن يطوف إلّا في ثيابنا ، ولا يأكل إذا دخل أرضنا إلا من طعامنا ، ولا يأكل الأقط ، ولا يستظلّ بالأدم إلا الحمس ؛ وهم قريش ، وما ولدت من العرب ومن كان يليها من حلفائها من بنى كنانة ؛ فكان الرجل من العرب أو المرأة يأتيان حاجين ، حتى إذا أتيا الحرم وضعا ثيابهما وزادهما ، وحرم عليهما أن يدخلا مكة بشيء من ذلك : فإن كان لأحد منهم صديق من الحمس استعار من ثيابه وطاف بها ، ومن لم يكن له صديق منهم ، وكان له يسار استأجر من رجل من الحمس ثيابه ، فإن لم يكن له صديق ولا يسار يستأجر به كان بين أحد أمرين : إمّا أن يطوف بالبيت عريانا ، وإما أن يتكرّم أن يطوف بالبيت عريانا فيطوف في ثيابه ؛ فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه عنه ، فلم يمسّه ، ولم يمسّه أحد من الناس ؛ فكان ذلك الثوب يسمّى اللّقى ، قال قائل من العرب « 1 » : كفى حزنا كرىّ عليه كأنه * لقى بين أيدي الطائفين حريم وإن كانت امرأة ولم تجد من يعيرها ولا كان لها يسار تستأجر به [ خلعت ] « 2 » ثيابها كلها إلا درعا مفردا ، ثم طافت فيه ؛ فقالت امرأة من العرب - كانت جميلة تامة ذات هيئة - وهي تطوف : اليوم يبدو بعضه أو كلّه * وما بدا منه فلا أحلّه فكانوا على ذلك من البدعة والضلالة حتى بعث اللّه نبيه محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، وأنزل فيمن كان يطوف بالبيت عريانا : يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ . . . إلى آخر الآية . ووضع اللّه ما كانت قريش ابتدعت من ذلك ، وقد أنزل اللّه في تركهم الوقوف بعرفة « 3 » : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ ؛ يعنى بذلك قريشا ومن كان على دينهم . المسألة الثالثة - اختلف الناس في ستر العورة ، هل هي فرض في الصلاة أم مستحبّة ؟ فأما أبو حنيفة « 4 » والشافعي وأحمد فقالوا : إنها فرض فيها . وأما مالك فالمشهور من قوله أنها فرض إسلامي لا تختصّ بالصلاة ؛ وهو أشهر أقوالنا . والقول الآخر مثل قول من تقدّم ؛ وهو الصحيح ؛ لما ثبت من أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بستر العورة في الصلاة ، والأمر على الوجوب ، وهو وإن كان فرضا إسلاميّا فإنه يتأكّد في الصلاة .
--> ( 1 ) والقرطبي : 7 - 189 . ( 2 ) زيادة يقتضيها المقام . ( 3 ) سورة البقرة : 199 . ( 4 ) والجصاص : 4 - 205 .